ابن عربي
14
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
بالأثر الإلهي ، فأدى بعضهم فيه إلى القول بالحلول ، وأنه هو اللّه بما أحيا به من الموتى ، ولذلك نسبوا إلى الكفر وهو الستر ، لأنهم ستروا اللّه الذي أحيا الموتى بصورة بشرية عيسى . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) ما كفر من قال إن المسيح ابن اللّه إلا لاقتصاره ، وكذلك كفر من قال : نحن أبناء اللّه وأحباؤه لاقتصارهم ، لأنهم ذكروا نسبة تعم كل ما سوى اللّه إن كانت صحيحة ، فإن لم تكن في نفس الأمر صحيحة فهم والعالم فيها على السواء ، وقالت اليهود والنصارى : إنهم أبناء اللّه ، وأرادوا التبني ، فإنهم عالمون بآبائهم ، فإنه لما كان اللّه تعالى له مطلق الوجود ، ولم يكن له تقييد مانع من تقييد ، بل له التقييدات كلها ، فهو مطلق التقييد ، لا يحكم عليه تقييد ، فله إطلاق النسب ، فليست نسبة به أولى من نسبة ، فقد كفر من كفر بتخصيص النسب ، مثل قول اليهود والنصارى عن أنفسهم دون غيرهم من أهل الملل والنحل « نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ » فإذا وقد انتسبوا إليه كانوا يعمون النسبة وإن كانت خطأ في نفس الأمر ، فقال لهم اللّه : « فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ » يقول تعالى النسبة واحدة فلم خصصتم نفوسكم بها دون هؤلاء ؟ وإن أخطأتم في نفس الأمر فخطؤكم في عموم النسبة ، أقل من خطئكم في خصوصها ، فإن ذلك تحكم على اللّه من غير برهان . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) قل يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فتره من الرسل ودرس من السبل